ثمة أسئلة لابد أن نبحث لها عن إجابة محددة قبل أن نبدأ في قراءة حكاياتنا الموجعة مع مشكلات لطالما تكررت كثيرا في واقعنا، لنشبعها تحليلا ومقاربة ورفضا. فللأسئلة ثقافة لابد أن ندركها، لأنا عندما ندلق أسئلة صحيحة فإننا سوف نرتوي دائما بإجابات سائغة للشاربين. دعوني أكتب لكم بعضا من هذه الأسئلة، تاركا لوعيكم.. لضمائركم كتابة إجابة محددة (أقول محددة) لأنا في مساحة تلك الإجابة (الواضحة) سنضع أقدامنا على درب الحقيقة والاصلاح بجد!
1- يلقي رجال الأمن -حفظهم الله- على حدود بلادنا بين الحين (القصير) والآخر (المثيل) على كميات هائلة (جدا) من المواد المخدرة والمسكرة (تصل أحيانا إلى مئات الألوف من حبوب الكبتاجون -مثلا- في عملية واحدة). ولكن هل نظرنا إلى المشهد من زاويته الأخرى فنسأل أنفسنا: هل من المعقول ان يغامر هؤلاء المفسدون بأنفسهم إلى هذا الحد لإدخال تلك الكميات الهائلة إلى بلادنا، لولا أنهم قد تيقنوا أن ثمة طلبا -ربما يكون- هائل لتلك الممنوعات يقارب (هول) الكمية المعروضة؟ (وبالتالي فعلينا قراءة المشهد من الداخل.. أيضا!)
2- نشتكي دائما من امتلاء أسواقنا بالسلع المغشوشة والمقلدة والمسرطنة ساكبين (ماء الملام) للجان المراقبة المحدودة من قبل الأمانات والبلديات والغرف التجارية، بل وتأخذنا جلبة الغضب عارما في وجه البائعين البائسين. ولكن هل سألنا أنفسنا: من هم الغاشون الكبار من تجارنا (البواسل) الذين (رخص) على ضمائرهم سلامة مواطنيهم، فاسترخصوا جلب هذه البضائع المضروبة بأبخس الأثمان ليبيعوها بأضعاف (أغلى) الأسعار.. (الصين -على سبيل المثال- تصدر لبلادنا سلعا تجارية لمنتج واحد غير التي تصدرها للبلاد الغربية بجودة -للمنتج ذاته- بعد ان اقتنع هؤلاء الصينيون بأن السوق لدينا يريد ذلك العرض الرخيص).
3- كتب في صحفنا الكثير وتجرع مجتمعنا أشكالا وألوانا من ألم كارثة سيول جدة الأخيرة. ولكن هل نظرنا إلى المشهد -كذلك- من زاويته الأخرى غير زاوية البحث في فساد مؤسسات الدولة ذات الاختصاص، وسألنا أنفسنا في لحظة صدق: هل ثمة علاقة بين فساد تلك الادارات الحكومية (العامة) وفساد الذمم للمئات من (أفراد) مجتمعنا -وليس من مؤسسات مجتمعنا هذه المرة- من الذين كذبوا وزوروا أوراقهم ووثائقهم وأماتوا آباءهم وأبناءهم، لينضموا إلى جماعة المتضررين من الكارثة، المستحقين للدعم والاعانة، وهم في اللحظة ذاتها يلوكون حديثا عن (الأمانة) وضرورة محاسبة المفسدين في مجالسهم ومنتدياتهم. (وبالتالي فإن قراءة المشهد تاما توحي بأن الأزمة هي أزمة اجتماعية عامة لأخلاق رديئة وضمائر ميتة.. أزعم ان ذلك قد يكون بسبب افتقار (بعض أو جل.. لافرق) من أطيافنا الاجتماعية -أفرادا ومؤسسات- لركيزتين رئيستين كفيلتين بالقضاء مباشرة على كل فساد فردي أو مؤسساتي، هما الوازع الديني والحس الوطني، ففي الأولى اهتممنا كثيرا بالقشور والمظاهر، واكتفينا بهما عن جوهر الدين العظيم (وإلا فبماذا نفسر -على سبيل احد الأمثلة البسيطة- تزوير أحدهم تقريرا طبيا كل عام يكفل له قضاء العشر الأواخر للتهجد في مكة المكرمة؟). وفي الثانية، فنحن عندما اقتنعنا بفقداننا لذلك الحس الوطني الذي يصنع الحضارات كتبنا بضع وريقات كتبنا على غلافها (التربية الوطنية) لنشرعها في مدارسنا كمادة تعليمية مقررة، زاعمين انها تكفي لأداء الغرض (رغم أن الوطنية مثل بقية القيم السامية كالحب والنبل والمروءة لاتدرس وتلقن، بل هي تنبثق من امتزاج هسيس الأرض بحميا الأرواح المتجسدة فوقها، ليكتبا معا نشيد التصاق الوطن بالانسان الحقيقي القادر على الفعل والانجاز لهذه الأرض المباركة.
4- نحن عندما نتحدث عن خطورة التطرف لدى بعض من بني جلدتنا، والذي قادهم الى مسارب العنف والارهاب ومنتجاتهما الممعنة في تقويض المجتمع، واللذين قدما خطابنا الديني الفكري للعالم بصورة لاتليق -أبدا- بعظمة ديننا وسموه وسماحته.. ألم نسأل أنفسنا قبل الخوض في تشكلات ذلك التطرف ومظاهر الارهاب: هل اننا وقفنا موقفا حازما -منذ البداية- أمام إرهاصات ذلك المشهد المتطرف؟ وعارضنا بنصح أو بعقوبة.. بترغيب أو ترهيب من يثيرون الشغب في أمسياتنا الثقافية، ويخربون ملتقياتنا الأدبية، ويصعدون إلى المنابر والمنصات لدفق مفرداتهم التكفيرية هنا وهناك ويكتبون الوثائق والكتب لإخراج المسلمين الآمنين من ملتهم وتجريدهم من عقائدهم التي لايعلم سرها إلا رب العزة والجلال!.
5- نتباكى ونشتكي ونتألم من ضعف المستوى الثقافي الجمعي لدينا واقتصاره على نخب محددة-وتلك حقيقة-ولكن حري بنا قبل إطلاق نداءات بكائياتنا (الباردة) أن نسأل أنفسنا: كيف ينظر (أكثر) أطياف مجتمعنا إلى مثقفينا وأدبائنا؟ ومن تسبب في تلك النظرة القاصرة القاصمة؟.. فذلك (ليبرالي) يجب اجتثاثه لأنه كتب رواية تحاكي واقعا ما أو تنفض غبار الزيف عن الانسان (النمطي/المتكرر) فينا، ليظهر على حقيقته البشرية التي ليس شرطا -بالضرورة- أن تتماهى مع سكوننا واطمئناننا على الملائكية الدائمة والمثالية المفرطة اللتين تخيلناهما صياغة ثابتة (لإنساننا)، وذلك الآخر (علماني) يجب تكفيره وإقصاؤه لأنه حكى عن اتجاهات نقدية حديثة وتيارات أدبية جديدة، وهذا (حداثي) يتحتم أن نضعه في مواجهة ضدية (لاعوض عنها) مع الاسلام لأنه جرب كتابة قصيدة، ليست على غرار القصائد التقليدية القديمة.!.. وبعد فيبدو ان الأسئلة تفيض عن حجم كل المساحات الممكنة ولذلك سأحاول أن أرجئ دلقها على وعيكم الجميل في اللقاء القادم بإذن الله.